المسعودي

335

مروج الذهب ومعادن الجوهر

لهيكل بيت المقدس ، وكان ملك الشام يومئذ أبطنجنس ( 1 ) ، وهو الذي بنى مدينة أنطاكية ، وكانت دار ملكه ، وجعل بناء سورها أحد عجائب العالم في البناء على السهل والجبل ، ومسافة السور اثنا عشر ميلا ، عدة الأبراج فيه مائة وستة وثلاثون برجاً ، وجعل عدد شرفاته أربعة وعشرين ألف شرفة ، وجعل كل برج من الأبراج ينزله ( 2 ) بطريق برجاله وخيله وجعل كل برج منها طبقات إلى أعلاه ، فمرابط الخيل في أسفله ، وأرضه ، والرجال في طبقاته ، والبطريق في أعلاه ، وجعل كل برج منها كالحصن عليه أبواب حديد ، وآثار الأبواب ومواضع الحديد بيِّن إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة واظهر فيها مياهاً من أعين وغيرها ، لا سبيل إلى قطعها من خارجها ، وجعل إليها مياهاً منصبة في قنىً مخرقة إلى شوارعها ودورها ، ورأيت فيها من هذه المياه ما يستحجر في مجاريها المعمولة من الخزف لترادف التقن ( 3 ) فيها فيتراكم طبقات ويمنع الماء من الجريان بانسداده ، فلا يعمل الحديد في كسره ، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا المترجم ب « القضايا والتجارب » ما شاهدناه حسا ، ونمي إلينا خبراً ، مما يورده ماء أنطاكية في أجساد الحيوان الناطق وأجوافهم ، وما يحدث في معدهم ، من الرياح السوداوية الباردة والقولنجية الغليظة ، وقد أراد الرشيد سكناها فقيل له بعض ما ذكرنا من أوصافها ، وترادف الصدأ على السلاح من السيوف وغيرها بها ، وعدم بقاء ريح أنواع الطيب بها ، واستحالته على اختلاف أنواعه فامتنع من سكناها .

--> ( 1 ) في بعض النسخ « انطيخش » . ( 2 ) في بعض النسخ « وجعل على كل برج من الأبراج بتولة بطريق - إلخ » . ( 3 ) في بعض النسخ « لترادف البصر » .